السيد عبد الله شبر
456
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
كما قال اللَّه تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 1 » . وأيضاً إخباره تعالى بخصوص قدر زمان لابدّ له من نكتة ، أقلّ ما في الباب أن يكون من جهة قلّته أو كثرته دخيلًا في المطلوب ، ولا يناسب شيء منهما هناك ؛ إذ لو كان لأجل معرفة العباد أنّه تعالى قادر على خلق مثل السماوات والأرض في هذه المدّة القليلة ، فمعلوم أنّ ذلك ليس له وقعٌ في هذا المطلوب بعد الإخبار بأمثال أنّ أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ، ولو كان للامتنان عليهم بأنّ خلقه في تلك المدّة المديدة كان لأجل تدبير ما يحتاجون إليه في أمور معاشهم ومعادهم ، فظاهر أنّ قدر ستّة أيّام لا يصلح لهذا المقصود . فالوجه أن يفسّر اليوم ههنا - والعلم عند اللَّه وأهله - بما فسّره تعالى تارة بقوله : وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ « 2 » ، وأخرى بقوله : فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ « 3 » ، فإنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً ، وقد يعبّر عن الأوّل باليوم الربّاني ، وعن الثاني بيوم اللَّه ، فعلى كلّ تقدير يكون ملائماً لما نسب من خلق كلّ منهما إلى يوم من الأسبوع في الروايات ، ويتمّ ما يقصر عنه عند حمله على اليوم الدنيوي عن معنى الامتنان المقصود له تعالى في كثير من أمثال تلك الآيات . ولعلّ حمله على الأوّل فيما نحن فيه أنسب وأقرب ، فتصوّره على ذلك : أنّ كلّ امتداد - سواء كان قارّ الذات كالجسم أو غير قارّ الذات كالزمان - ينبغي أن يقدّر له أجزاء ، ولكلّ جزء منه أجزاء ، وهكذا إلى ما يحتاج التعبير عن قدر معيّن منها للتفهيم بدون كلفة ، وذلك كتقدير الفلك بالبروج والمنازل والدرجات ، وتقدير الزمان بالسنين والشهور والأيّام والساعات ، فعلى هذا لا بُعد في أنّ الحكمة الإلهيّة كانت اقتضت أن يقدّر للزمان المتقدّم على زمان الدنيا ، بل للزمان المتأخّر عن زمانها أيضاً
--> ( 1 ) . غافر ( 40 ) : 57 . ( 2 ) . الحجّ ( 22 ) : 47 . ( 3 ) . المعارج ( 70 ) : 4 .